ما وراء صفة «المتهم»: حين تضيق اللغة القانونية أمام جرائم موثقة في سوريا

ما وراء صفة «المتهم»: حين تضيق اللغة القانونية أمام جرائم موثقة في سوريا

بين الشكلية الإجرائية واليقين الجنائي: مأزق المصطلحات في محاكمة مجرمي الحرب

بين الشكلية الإجرائية واليقين الجنائي: مأزق المصطلحات في محاكمة مجرمي الحرب

في اللغة القضائية، تبقى صفة «المتهم» جزءًا أصيلًا من ضمانات المحاكمة العادلة. فهي لا تُستخدم لحماية الجناة من المساءلة، بل لحماية العدالة من التسرّع، والأحكام المسبقة، وتسييس القضاء. غير أن الحالة السورية تضع هذا المصطلح أمام اختبار شديد الحساسية: "كيف يمكن للصحافة والحقوقيين أن يحافظوا على الدقة القانونية، من دون أن تتحول لغتهم إلى صياغة باردة تُضعف معنى الجرائم أو تجرّد الضحايا من حقهم في الاعتراف؟".

المشكلة ليست في مبدأ قرينة البراءة، فهو قاعدة لا غنى عنها في أي نظام قضائي عادل. المشكلة تظهر عندما تُستخدم كلمة «متهم» وحدها، منزوعة من سياق التوثيق والملاحقة القضائية، وكأن الملف السوري ما زال في دائرة الشك الأولي. 

في سوريا يدور النقاش حول نمط طويل من الانتهاكات الجسيمة، بينها التعذيب، والقتل خارج القانون، والإخفاء القسري، واستخدام الأسلحة المحظورة، واستهداف المدنيين، وفق مسارات حقوقية وقضائية وإعلامية متراكمة ولهذا الأمر هنا له حساسية وخصوصية قل نظيرها عن القضايا الأخرى.

أولًا: بين البراءة الإجرائية والمسؤولية القيادية

قانونيًا، لا يجوز وصف أي شخص بأنه «مدان» بالمعنى القضائي النهائي قبل صدور حكم قطعي من محكمة مختصة. هذه قاعدة أساسية، حتى في أكثر الملفات فظاعة. لكن احترام هذه القاعدة لا يعني الاكتفاء بلغة ضعيفة أو عامة، مثل «متهم»، عندما تكون هناك مذكرات توقيف، وملفات تحقيق، ومحاكمات غيابية، وشبهات موثقة بجرائم دولية.

في القانون الدولي الجنائي، توجد صيغ أكثر دقة، مثل: «ملاحق قضائيًا»، «مطلوب للعدالة»، «مشتبه بارتكابه جرائم حرب»، أو «مسؤول قيادي تُثار شبهات حول مسؤوليته عن جرائم دولية». هذه الصيغ لا تلغي قرينة البراءة، لكنها تمنع في الوقت نفسه تمييع الجريمة لغويًا.

وتزداد أهمية هذه الدقة عند الحديث عن مبدأ «مسؤولية القادة والرؤساء». فالمادة 28 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تقرر مسؤولية القادة والرؤساء عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم، إذا توافرت السلطة الفعلية والمعرفة أو إمكانية المعرفة، ولم تُتخذ الإجراءات اللازمة لمنع الجرائم أو معاقبة مرتكبيها.

بهذا المعنى، لا تتوقف المسؤولية في الجرائم الدولية عند المنفذ المباشر؛ بل قد تمتد إلى من امتلك سلطة القيادة، والمعرفة، والقدرة على المنع، ثم ترك منظومة الانتهاك تعمل.

ثانيًا: لماذا تصبح كلمة «متهم» وحدها قاصرة؟

كلمة «متهم» صحيحة من حيث الأصل الإجرائي، لكنها قد تكون قاصرة صحافيًا وحقوقيًا إذا استُخدمت وحدها وبلا سياق. فالضحايا لا يرفضون المحاكمة العادلة، ولا يطالبون بإلغاء الضمانات القضائية، لكنهم يرفضون لغة توحي بأن الجرائم الموثقة لا تزال مجرد رواية مقابلة لرواية أخرى.

إعلان الأمم المتحدة بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة، الصادر بقرار الجمعية العامة 40/34 عام 1985، ينص على وجوب معاملة الضحايا باحترام لكرامتهم، وتمكينهم من الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ومن هنا، فإن اللغة المهنية مطالبة بتحقيق توازن دقيق: لا إدانة نهائية قبل الحكم، ولا حياد لغوي بارد يمحو حجم الجريمة. فالصحافة الحقوقية الرصينة لا تستبدل القضاء، لكنها لا تعفي نفسها من تسمية الوقائع في سياقها الصحيح.

ثالثًا: من «متهمين» إلى «ملاحقين ومطلوبين للعدالة»

في الحالة السورية، تبدو الصيغة الأدق هي: مسؤولون سوريون ملاحقون أو مطلوبون في ملفات تتعلق بشبهات جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

هذه الصيغة أقوى من «متهمين» وحدها، وأدق من «مدانين» قبل الحكم النهائي.

ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2023، أصدرت جهات قضائية فرنسية مذكرات توقيف بحق بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، ومسؤولين سوريين آخرين، على خلفية اتهامات تتعلق بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مرتبطة بهجمات كيميائية في سوريا، بحسب ما أوردته «الغارديان» والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان.

وفي حزيران/يونيو 2024، أوردت وكالة «رويترز» أن محكمة الاستئناف في باريس أيدت مذكرة التوقيف بحق بشار الأسد في ملف الأسلحة الكيميائية، معتبرة أن الجرائم موضوع الملف لا يمكن التعامل معها بوصفها جزءًا من الوظائف الرسمية لرئيس دولة.

لكن في تموز/يوليو 2025، أفادت «رويترز» و«الغارديان» بأن محكمة النقض الفرنسية أبطلت مذكرة التوقيف الصادرة بحق بشار الأسد، على أساس الحصانة الشخصية التي كان يتمتع بها كرئيس دولة وقت صدور المذكرة، مع الإشارة إلى إمكان فتح مسارات قضائية جديدة بعد زوال المنصب.

هذه التطورات تفرض دقة إضافية: لا يصح القول إن كل المذكرات الفرنسية ضد بشار الأسد ما زالت قائمة بالصورة نفسها، كما لا يصح اختزال المسار كله في كلمة «اتهام». 

الأدق هو القول إن بشار الأسد وماهر الأسد ارتبط اسماهما بمسارات قضائية دولية ووطنية متعددة، بعضها قائم وبعضها شهد تطورات إجرائية، لكنها جميعًا تعكس انتقال الملف من مستوى الاتهام السياسي إلى مستوى الملاحقة القضائية.

رابعًا: محاكمة 2026.. التحول الأهم داخل سوريا

في نيسان/أبريل 2026، دخل الملف السوري مرحلة جديدة مع افتتاح محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا وأحد أقارب بشار الأسد، أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق. 

ووصفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان هذه المحاكمة بأنها أول إجراء جنائي محلي ضد شخصية رفيعة من جهاز الأسد الأمني بعد سقوط النظام.

وبحسب «الجزيرة»، انطلقت في دمشق محاكمة الرئيس المخلوع بشار الأسد وعدد من رموز النظام السابق غيابيًا، بالتوازي مع المحاكمة الحضورية لعاطف نجيب، الذي نُسبت إليه مسؤولية عن قمع واعتقالات واسعة في درعا في المرحلة المبكرة من الثورة السورية.

كما أوضح المركز السوري للعدالة والمساءلة أن عاطف نجيب ظهر وحده داخل قفص الاتهام في الإجراءات الأولية، لكنه يُحاكم إلى جانب ثمانية متهمين آخرين غيابيًا، بينهم بشار الأسد وماهر الأسد.

وتكتسب هذه المحاكمة أهميتها من أنها لا تمثل مجرد واقعة قضائية معزولة، بل تكسر للمرة الأولى داخل سوريا حاجز التعامل مع رموز النظام السابق بوصفهم خارج نطاق المساءلة. لذلك، فإن وصف بشار وماهر الأسد بأنهما «متهمان» فقط لا يعكس بدقة موقعهما الحالي داخل مسار قضائي معلن؛ فالأدق القول إنهما ملاحقان غيابيًا ضمن محاكمة داخلية مرتبطة بجرائم منسوبة إلى منظومة النظام السابق.

حدود المحاكمة الوطنية وفجوة التكييف القانوني

رغم أهمية محاكمة عاطف نجيب ومحاكمة بشار وماهر الأسد غيابيًا، فإنها لا تكفي وحدها لبناء عدالة انتقالية شاملة. فقد أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى حدود القانون المحلي السوري في التعامل مع جرائم دولية كبرى، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهو ما يجعل هذه المحاكمة خطوة رمزية ومؤسسية مهمة، لكنها غير كافية وحدها لتغطية حجم الانتهاكات.

وأوردت «لوموند» أن التهم الموجهة إلى عاطف نجيب تجري وفق القانون السوري، لكنها لا تُصنف بالضرورة كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية بسبب قدم الإطار القانوني المحلي وقصوره في استيعاب هذا النوع من الجرائم الدولية.

هذا التفصيل مهم صحافيًا؛ لأن تضخيم المحاكمة قد يخلق انطباعًا غير دقيق بأنها تحقق العدالة الكاملة، بينما التقليل من شأنها يتجاهل قيمتها الرمزية في فتح الباب أمام المساءلة. 

التوصيف المهني الأدق أنها بداية قضائية مهمة، لكنها تحتاج إلى إطار عدالة انتقالية أوسع، وإصلاح قانوني، وضمانات إجرائية، وتعاون دولي.

سادسًا: التعذيب والجرائم الدولية لا تُعامل كلغة جنائية عادية

الجرائم المنسوبة إلى أجهزة النظام السوري السابق لا تتعلق فقط بمخالفات داخلية أو تجاوزات فردية، بل تشمل أفعالًا يمكن أن تدخل، بحسب طبيعتها وسياقها، في نطاق الجرائم الدولية الجسيمة.

كما أنّ اتفاقية مناهضة التعذيب تلزم الدول الأطراف بتجريم جميع أفعال التعذيب، والشروع فيها، والمشاركة أو التواطؤ فيها، وفرض عقوبات مناسبة تأخذ في الاعتبار خطورتها.

ولهذا، فإن اللغة الصحافية والحقوقية لا يجب أن تتعامل مع هذا النوع من الملفات كما لو كان نزاعًا جنائيًا عاديًا. 

المطلوب تحديدًا منع استخدام ضمانات المحاكمة العادلة كغطاء لغوي لتخفيف فداحة الجرائم.

ما الأدق صحافيًا وحقوقيًا في وصف بشار الأسد؟

المشكلة في كلمة «متهم» في استخدامها وحدها أمام جرائم موثقة ومسارات قضائية قائمة. فالدقة المهنية لا تسمح بوصف بشار وماهر الأسد بأنهما «مدانان» قبل حكم قضائي نهائي، لكنها لا تفرض أيضًا الاكتفاء بوصفهما «متهمين» كما لو أن الملف في بدايته.

الأدق صحافيًا وحقوقيًا هي أن:"بشار الأسد وماهر الأسد ملاحقان قضائيًا في ملفات تتعلق بجرائم دولية جسيمة، ويمثلان غيابيًا ضمن محاكمة سورية بدأت عام 2026 إلى جانب عاطف نجيب، مع استمرار مسارات قضائية دولية ووطنية أخرى مرتبطة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".

بهذه اللغة نمنع المصطلح القانوني من التحول إلى ستار لغوي يخفي فظاعة الجريمة.


محمد أمين ميرة - صحفي وحقوقي سوري 

أحدث أقدم